Skip to main content

لغز أصول اللغة الباسكية وهل لها علاقة بالأرمنية؟

على بُعد خطوات من مدخل كاتدرائية "غود شبرد"، ذات الأبراج الغوطية التي تشق عنان السماء، والتي تعد إحدى المعالم البارزة في مدينة سان سباستيان في الجانب الإسباني من إقليم الباسك، يقبع حجر بسيط، نقش على جانب منه صليب أرمني وعلى الجانب الآخر كلمات كتبت بحروف أبجدية غير لاتينية.
ولم تكن هذه الكلمات مكتوبة باللغة الباسكية، التي تعرف باسم أوسكارا، وهي إحدى اللغات الأوروبية التي اشتهرت بأنها لا تمت بصلة لأي لغة حية أخرى. إذ وضعت الجمعية الأرمنية الحديثة بمدينة سان سباستيان، هذا الحجر الذي يسمى بالخاتشكار الأرمني، وهو نصب تذكاري يحمل صليبا ونقوشا، في قلب المدينة تخليدا للذكرى المئوية للمذابح التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن. وكان برلمان إقليم الباسك واحدا من البرلمانات الخمسة في إسبانيا التي اعترفت رسميا بهذه المجازر.
وثمة سبب مدهش يفسر هذا التقارب بين هاتين المجموعتين الإثنيتين الأوربيتين الصغيرتين رغم بُعد المسافة التي تفصل بينهما. إذ اكتشف علماء اللغة الأرمنية والباسكية وجود الكثير من الكلمات والقواعد اللغوية المشتركة بين اللغتين، رغم أنهما يختلفان كل الاختلاف ظاهريا، في الحروف وفي الكتابة.
ورأيت أيضا في متحف الباسك في مدينة بايون بالجانب الفرنسي من إقليم الباسك، حيث تربط الأرمن والباسكيين أواصر صداقة وثيقة، نصبا تذكارية باسكية تعود إلى العصور الوسطى وتحمل نقوشا تشبه بشكل لافت نقوش حجر الخاتشكار الذي رأيته في مدينة سان سباستيان.
ويرى الكثير من الأرمن أن هذا التشابه ليس من قبيل المصادفة. ويقول الباحثون في الأصول الأرمنية، إن الشعبين الأرمني والباسكي، تجمعهما روابط لغوية ووراثية، فضلا عن بعض التشابه بين الأسماء الجغرافية والأساطير التي يرددها كلا الشعبين.
وقد أعاد الخبير اللغوي الأرمني فاهان سارغسيان طرح هذه النظرية التي تعود لقرون، مؤخرا ونشر عدة كتب ودراسات حول هذا الموضوع، كان من بينها أول قاموس من اللغة الأرمنية إلى الباسكية في عام 2011.
غير أن هذا الرأي يتعارض مع رأي آخر تؤيده الغالبية العظمى من الباسكيين مفاده أن الباسكيين ينحدرون من أصول إثنية ولغوية منعزلة، أي أنهم لا يشبهون أحدا لغويا ولا وراثيا، بحسب تحليل البصمة الوراثية، ويقال إن لغة الباسكيين وجيناتهم ورثوها عن قبائل الصيادين وجامعي الثمار التي جاءت إلى المنطقة قبل العصر الحجري بسنوات طوال.
لكن في عام 2015، اكتشف ماتياس جاكوبسون، العالم المختص بعلم الوراثة من جامعة أبسالا بالسويد، وجود تشابه كبير بين الحمض النووي المستخرج من هياكل عظمية لمزارعين أيبيريين من العصر الحجري، ماتوا منذ ما يتراوح بين 3,500 إلى 5,500 سنة، وبين الحمض النووي للباسكيين في العصر الحديث.يدت أبحاث لغوية عديدة التشابه اللغوي بين الباسكية والأرمنية، إذ اكتشف العالم اللغوي الألماني جوزيف كارست في عام 1928 أكثر من 300 كلمة وصوت وقاعدة لغوية مشتركة بين اللغتين الباسكية والأرمنية.
وأجرى سارغسيان بحثا في عام 1998 مع مجموعة من علماء اللغة الباسكية والأرمنية، واكتشفوا نحو 600 كلمة مشتركة بين اللغتين، ويرى سارغسيان أنها استعيرت من اللغة الأرمنية في أعقاب انتقال العمال والمزارعين الأرمن إلى المنطقة.
ويقول سارغسيان: "إن اللغتين الأرمنية والباسكية تزخران بالكلمات المتطابقة التي تتعلق بالزراعة".
وقد دفعني الفضول لمعرفة مدى شيوع هذه الكلمات المشتركة بين اللغتين في إقليم الباسك، إلى استطلاع أراء متحدثي اللغة الباسكية على الجانب الفرنسي والإسباني من الإقليم.
وبدت من نافذة القطار أراضي إقليم الباسك الخضراء مترامية الأطراف التي تتخللها جبال يكسوها العشب الكثيف ويغشاها الضباب. هذه الأراضي وفرت مراع مثالية لرعاة الغنم الذين جاؤوا للاستقرار منذ القدم في إقليم الباسك.
وبينما يعيش 90 في المئة من الإسبان في المدن الكبرى، فإن الغالبية العظمى من سكان الجانب الإسباني من إقليم الباسك يتمسكون بنمط الحياة الريفي أو شبه الحضري.
وأسفر هذا الارتباط القوي بالحياة الريفية عن ظهور لهجات عديدة بين سكان الإقليم.
وعندما عرضت على مانيكس أوتيغي، أحد سكان مدينة سان سباستيان 26 كلمة من قائمة الكلمات المشتركة بين اللغتين الأرمنية والباسكية التي جمعها سارغسيان، لم يميز منها إلا ست كلمات فقط. ويقول أوتيغي: "لا أعرف من أين جاءت هذه الكلمات، وأظن أنها قديمة للغاية وقد طواها النسيان بسبب قلة الاستخدام على مدى سنوات".
وكررت نفس السؤال على بعض الأصدقاء الأرمن في مدينة بايون على الجانب الفرنسي من إقليم الباسك، ولم يتعرفوا منها إلا على كلمة واحدة.
وبعد أن تحدثت مع الكثيرين في القطارات والحانات والباحثين، تبين لي أن معظم الكلمات المشتركة بين اللغتين الأرمنية والباسكية أصبحت مهجورة ولم تعد جزءا من أي من اللغتين المعاصرتين.
وعندما توجهت إلى الأكاديمية الملكية للغة الباسكية في مدينة بلباو الإسبانية، للتحدث مع علماء تاريخ اللغة الباسكية، نفى جميع الباحثين وجود أي علاقة بين الباسكيين وشعوب القوقاز، ومنهم الأرمن.
وأشار زابيير كينتانا، كبير المديرين بالأكاديمية، إلى أن هذه القائمة من الكلمات المشتركة قد جمعها سارغسيان من اللهجات المعاصرة في الإقليم وقد استعيرت بالتأكيد من اللاتينية والكلتية وغيرها من اللغات القديمة، التي كانت سائدة في البلدان المجاورة للإقليم.
ويشترط كينتانا لنجاح الدراسة أن تعقد المقارنة بين اللغتين القديمتين بعد التخلص من الكلمات المستعارة من اللغات الأخرى، سواء اللاتينية أو الأيبيرية أو الكلتية في حالة اللغة الباسكية، أو اللغات العربية والتركية والسريانية في حالة اللغة الأرمنية.
ويقول ميرتيكس أورتياغا، عالم الآثار الباسكي: "لا يوجد أي دليل أثري يثبت مجيء الأرمن إلى إقليم الباسك، بخلاف بعض الكلمات المشتركة بين اللغتين".
ورغم أنني لم أعثر على أي دليل يثبت وجود روابط بين هاتين المجموعتين الإثنيتين، فإنني ما زلت غير مقتنع بأن هذا التشابه الكبير بين اللغتين محض مصادفة.
وحتى الآن، لا تزال أصول لغة الباسك من أكبر الألغاز الأوروبية التي تنتظر من يكشف أسرارها.

Comments

Popular posts from this blog

هل انتقلت إيران والسعودية من حافة الهاوية إلى حافة التسوية؟

بينما كانت النيران تشتعل في منشآت أرامكو بعد استهدافها بطائرات مسيّرة كما أعلنت حركة أنصار الله اليمنية، وصواريخ كروز إيرانية حسب الرواية السعودية الرسمية، وصلت منطقة الشرق الأوسط فعليا إلى مرحلة الغليان التي تسبق أي انفجار حتمي. وتوجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى إيران التي نفت صلتها بالهجوم الذي عطّل نصف الإنتاج السعودي من النفط، وبدأ الحديث عن الردّ وحجمه وتداعياته. لم يكن الهجوم على أرامكو الأول على منشآت سعودية خلال هذا العام، فقد سبقه في 14 آيار/ مايو هجوم بطائرات مسيّرة على محطتي ضخ لخط الأنابيب "شرق - غرب" الذي ينقل النفط السعودي من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي. حينذاك تبنى أيضا الحوثيون الهجوم، لكن السعودية ألقت بالمسؤولية على إيران، لينقل لاحقا تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" اتهاما عن مصادر رسمية أمريكية لإيران بالوقوف خلف الهجوم من خلال فصائل تتبع لها في العراق. لم تقتصر الاتهامات الأمريكية لإيران على هذه الهجمات، بل تعدتها إلى هجمات الفجيرة التي طالت ناقلات نفط في بحر العرب، ولاحقا على ناقلتي نفط في خليج عمان، إلى جا...

गणेश गायतोंडे होने से बचा लो रे दुनिया

असल दुनिया में भले ही ईश्वर और उसके नाम पर मांगी जा ने वाली क़ुर्बानियां ताक़तवर हुई हैं. लेकिन रील में ख़ुद को भगवान बताने वाला गणेश गायतोंडे दूसरे सीज़न में कमज़ोर और बेवकूफ़ बनता दिखता है. इसे बिना स्पॉइलर के समझना है तो आ प-पास के बाबाओं पर ग़ौर कीजिए. वो बाबा जो कृपा बरसा ने के नाम पर लाखों करोड़ों की भीड़ अपने साथ लिए हुए हैं. इन बाबाओं के दर पर चुनाव से प हले नेता मत्था टेकते हैं. फिर आस्था के इन मंचों से माइक से ऐलान होता है-अबकी बार, आम आदमी का हाथ... मंचों से चूती ये कृपा, भीड़ अपने मुंह पर चुपड़ लेती है और जाने-अनजाने मिशन में जुट जाती है. "ग्लोबल वॉर्मिंग से लेकर इंटरनेट धार्मिक प्रॉपेगैंडा सब दुनिया ख़त्म करने में लगे हैं. सब पागल कुत्ते की तरह एक-दूसरे को काटने दौड़ेंगे. इतना धुं आ भरेगा कि धरती के पशु, पक्षी सब स माप्त हो जाएंगे. धरती का तापमान गिरेगा और आप सब न्यूक्लियर विं टर देखेंगे." धार्मिक प्रॉपेगैंडा में फँसे लोग कहां नहीं हैं? " मेरे अब्बा पहलू ख़ान को अगर वीडियो में दिख रहे लोगों ने नहीं मारा तो वो मरे कैसे ? " मारने वाले लोग...

جوليان أسانج: الولايات المتحدة توجه 17 اتهاما جديدا لمؤسس موقع ويكيليكس

لائحة الاتهام الجديدة تشمل انتهاك القانون المتعلق بالتجسس، وذلك من خلال نشر وثائق عسك رية ودبلوماسية سرية في عام 2010. وجاء في اللائحة أن أسانج "شجع بصفة متكررة مصادر مطلعة على معلومات سرية على سرقة هذه المعلومات وتقديمها إلى ويكيليكس للكشف عنها". وبمجرد أن بدأت مانينغ مشاركة هذه المواد، شجعها أسانج "على مواصلة سرقة الوثائق السرية الخاصة، ووافق على مساعدتها في اختراق كلمة المرور السرية لجهاز كمبيوتر عسكري"، بحسب لائحة الاتهام الجديدة. كما "كشف (أسانج) عن أسماء المصادر البش رية وتسبب في خطر كبير وشيك على أرواح بشرية"، بما في ذلك أسماء أفغان وعراقيين وصينيين وإيرانيين. وجهت وزارة العدل الأمريكية 17 اتهاما جديدا لمؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، الذي يواجه كذلك احتمال الترحيل من بريطانيا حيث يقضي عقوبة بالسجن. وت تعلق الاتهامات الجديدة بحصوله على أسماء مصادر، مُص نّفة على أنها سرية، ونشرها على نحو غير مشروع. وفي الشهر الماضي، وُجه إلى أسانج اتهام بالتآمر مع تشيلسي مانينغ، المحللة السابقة في الاستخبارات الأمريكية، لدخول شبكة وزارة الدفاع الأمري...